الأربعاء، 17 مايو 2023

يوم ‏الوداع ‏/ ‏الشاعر ‏فتحي ‏الكسواني

ما كتبه الدكتور العراقي الناقد شاكر السلمان كدراسة نقدية لقصيدتي الشعرية يوم الوداع .

دراسة نقدية متواضعة 
لقصيدة الشاعر فتحي الكسواني

القصيدة من بحر الكامل:
مُتَفاعِلُنْ |   مُتَفاعِلُنْ | مُتَفاعِلُنْ
مُتَفاعِلُنْ |   مُتَفاعِلُنْ | مُتَفاعِلُنْ |
وزن البحر يتكون من:
متفاعلن متفاعلن   متفاعلن
متفاعلن متفاعلن   متفاعلن
ضابط بحر الكامل
كمل الجمال منَ البحورِ الكاملُ ** متفاعلن متفاعلن متفاعل

القصيدة
يــوم الــــوداع ِتهامستْ شفتانــــا // وحضنتـُهــا متحسرا حيرانــــــا
ودعتـُـها وبكيــتُ يــومَ فراقهــا // وسألتهـــا أنّـــى يكـــون لقانــــــا
ومددتُ كفي للوداع مصافحــا // ولمستُ خدا ًزاهيـا ريانا
وغرقتُ في بحر الهوى مستنجدا // هل من مُغيثِ يرحـمُ الولهانــــــا ؟؟
قلبــي الرقيـق متيــم فــي عشقهـــــا // منحتْ فـؤادي نشـــوة وأمانـــــا
وأنـا المتيــمُ قــد دعــوتك ربنـــــــــــا // يــا ليــتَ يــوم فراقهـا ما كانــــا
ولقد سَعدتُ بسحرها ودلالهــــــــا // خفـقَ الفـؤاد لـها وذاب حنانــــا
يا همسة الورد النـــدي لك الهنــــا // ولي السعادة في اللقا نشوانــــــا
يا عمرَ عمري فالحياةُ قصيـــــرة // عــودي فإنــي لـن أعيـش زمانـا
كم همتُ فيك فأنت مانحة الهــوى // ينســابُ بيـــن جوانحـــي فتانـــا
يا لوعة القلب الذي بفراقهــــــــــا // فقـــدَ الأمـــانَ وعانق الأحزانا
سبحان من خلق الجمال وسحرِه // بــدر البــدور تسنّمت عنوانا
فلــك الهنـــاء ُتدللـــي يـا منيتــي // أنــت الجمـــالُ بسهلنــا وقرانــا
فرحيــل بعضي مايــزال يذيقنـــي // مـر الفــراق وزادنـــي أشجانــا
ودعتهــــا بتأوهٍ ومـــــــرارة // كفكفت دمعي يائســا حيرانا
وسألــت ربــي أن يعيــد لقائنــــا // ويعيـــد للقــلب الحــزين أمانـــــا

لابد من توطئة قبل أن نتقمص شخصية الناقد ونعوم في بحر رائعة الشاعر (يوم الوداع).
الشعر نشأ مرتبطاً بالغناء وانهما من نبع واحد هو الشعور بالوزن والإيقاع وإن الطاقة الشعرية هنا متفجرة في الإيقاع.

وإنَّ لغة الشعر لغة موسيقية زاخرة بالنغم الذي يعد جزءاً من مكوناتها المتآزرة مع التعبير اللغوي، فالألفاظ تتواكب في وحدات ترنيمية ملحنة في سياق إيقاعي يعمل على اشباع رغبات وحاجات وجدانية عميقة تجذب الآخرين إليه، والأبيات الشعرية تتعاقب وتشع منها أصوات موسيقية تطرب لها الأذن، وصدور الأبيات في عدد وحداتها الصوتية متساوقة مع اعجازها بطريقة مرتبة، كما في المقطع أدناه (يــوم الــــوداع ِتهامستْ شفتانــــا) اما المقطع الصوتي المتمثل بالقافية، فهو القرار الأخير لنغم البيت في (متحسرا حيرانــــــا).

قدْ يبْدُو العنوانُ (يوم الوداع) مفارقةً تقودُنا إلى مُستوى منْطلقِ الصعود, الذي جعَلَ من حسراته غايةَ أُمْنياتِه, لكننا عندما نكون بإزاءِ الإيقاع فيها بضربات منظمة ومتناسقة لوزن التفعيلة الداخلية ذات الذبذبات المتوافقة لانفعالات الشاعر التي يمر بها وهو يقوم ببناء فكرته بانتقاء ألفاظ دقيقة بندائه وسؤاله الذي يميل الى التمني بقوله (أنى يكون لقانا) ولفظة أنّى تعني اسم استفهام بمعنى: متى: بأيّ كيفيّة وفي أيّ وقت ليعبر عن مشاعره واحاسيسه وخلجاته المتوائمة مع موسيقى الألفاظ والمتشكلة مع الأبيات الأخرى، فتقوم الموسيقى التعبيرية الشعرية كصورةٍ مقابلةٍ لفراديسَ الأحلام والسمو في جوهر الأشياء ويشمل ذلك أسئلة الوجود والصيرورة والكينونة والواقع بوضع الإشارة على (مددت كفي) و (لمست خداً).

اقتباس:
وغرقتُ في بحر الهوى مستنجدا // هل من مُغيثِ يرحـمُ الولهانــــــا

وأن للإيقاع في هذا المقطع(وغرقتُ في بحر الهوى مستنجدا) من القصيدة خاصية جوهرية وهي تنظيم لأصوات اللغة في مناجاة الشاعر الذي تنازعه الجوى والسهد بسؤالٍ يميل الى التوسل في (هل من مُغيثِ يرحـمُ الولهانــــــا).

ففي الكلام والوزن يزداد الإيقاع رفاهية كما تزداد الموسيقى من وجع القافية ليصبح المقطع أعلاه مراداً لكل مغني يروم الجمال.

قلبــي الرقيـق متيــم فــي عشقهـــــا // منحتْ فـؤادي نشـــوة وأمانـــــا

ومن هذا كله تتكون عملية بناء هيكل هندسة القصيدة من الوزن والقافية التي يحتويها البيت، ويتمثل  بطريقة نقية إلى المتلقي بالإيحاء النفسي في العشق ونشوة الفؤاد الذي شمل أحاسيس الشاعر وليس القلب، فالإيقاع بناء كيان متلاحم متكامل يقوم على جمع صياغة الألفاظ والعبارات المتلونة ليرجرج بها صدورنا، فيصدر لحنا فنيا متناسقا له اثره الخلاب في شد المتلقي بسبب تدفقات النغم الشعري المتولد من الترانيم الملحنة المتساوقة مع موقف الوداع، والمصور للشعور والاحساس في عمل فني متقن.

اقتباس:
وأنـا المتيــمُ قــد دعــوتك ربنـــــــــــا // يــا ليــتَ يــوم فراقهـا ما كانــــا
ولقد سَعدتُ بسحرها ودلالهــــــــا // خفـقَ الفـؤاد لـها وذاب حنانــــا
يا همسة الورد النـــدي لك الهنــــا // ولي السعادة في اللقا نشوانــــــا

يعزف الشاعر على اوتار أصوات انغام التفعيلة في البناء الصوتي الداخلي للقصيدة في الحروف المتناغمة بتكرار لفظة المتيم والمؤلفة بوسائل فنية محاولة منه لتطبيق هندسة عقلية متولدة من انفعالاته المحدودة بقالب الوزن بتمني وحسرة ( ياليت ) مشيراً الى ما مضى من السعادة في قوله (ولقد سَعدتُ بسحرها ودلالهــــــــا) الذي تصدح منه حدَّة نبرته الصوتية، فتكاد تعلو على الوزن العروضي، ولا ندركها إلا بقراءة الشعر بصورة مسموعة في (خفـقَ الفـؤاد لـها وذاب حنانــــا) فهو إيقاع باطني سحري يستوعب تجربته الشاعر ايا كان نوعها، واستعمل الشاعر بفطنته المعنى الآخر للفؤاد الذي أعطاه صفة الخفق وفي الوقت نفسه فإن تفعيلة الوزن خاضعة لسيطرته حين نادى حبيبته بأرق ما يمكن أن يقال(يا همسة الورد النـــدي) لتنتظم بأنغام موسيقية محكمة الترتيب في البيت وتستثير عناية المتلقي بهذا النظام المتناسق للجمل الموسيقية في بحرٍ دافقٍ يغترف منه الشاعر ما يريده بحسب التصاق تجربته الشعرية، ليمنحها ذاتها الفنية في عجز البيت (ولي السعادة في اللقا نشوانــــــا) .

اقتباس:
يا عمرَ عمري فالحياةُ قصيـــــرة // عــودي فإنــي لـن أعيـش زمانـا
كم همتُ فيك فأنت مانحة الهــوى // ينســابُ بيـــن جوانحـــي فتانـــا
يا لوعة القلب الذي بفراقهــــــــــا // فقـــدَ الأمـــانَ وعانق الأحزانا
سبحان من خلق الجمال وسحرِه // بــدر البــدور تسنّمت عنوانا

فقد فاق المعنى ممكناتي في تصريفه (ياعمر عمري) الذي داهم بضرباته الموسيقية حفاوة مشاعري الضعيفة تجاه عنفوان الجرس واللحن المتموسق بأحلى نغماته. وكأن صفيّ الدين الأرموي صنع خصيصاً للكسواني آلتَيْ (النزهة) وهي نوع من القانون، و(المغني) وهو عود مقوّس ليفتننا بنداء عمر العمر وبزيادة أنواع الضرب والعزف بفاعلية التخييل لا تنفصل عن البنية الإيقاعية وأصناف النغم.

ثم يفحمنا باستفهام الـ كم للهيام بمن منحته الهوى الذي انساب بين جوانحه فأثار ذائقته لذاته الشاعرة بالبوح والمناجاة (يا لوعة القلب الذي بفراقهــــــــــا) و طلاقة إرسال الصوت نقياً عابراً لحُجُبِ الإلقاء بطبيعةٍ شعريةٍ ازدانت بقوة وحرارة مبلسمةٍ لذائقة محبي الشعر.

ثم ينزه خالق الجمال في ما يقصد وخروجه من فنٍّ الى فنٍّ ومن مقصودٍ الى مقصود ليوَطئ المعنى المجازي الذي يناسب قدرة قابليتة في ترتيب هذا الإيقاع بدورانه حول (بدر البدور) كما قال ( ياعمر عمري) بصفة مجازية أخرى ذات بلاغة عالية القيمة إذ جعل الصفة الجميلة هذه عنواناً لها وتسنمته عن جدارة.

والنص الغنائي هذا يتماشى في تبنِّي نفس الشاعر بإحساس الضحية التي غلب عليها الْهَمُّ، وفي بديهيةٍ وسرعة خاطر يواصل خصائص هذا النص وكأنه يتحدى بضربةِ دفٍّ ونفخة ناي أنه مازال ينساق بذلك الحب.. ليُعلي جرس الإحساس النفسي ورقي الشعور بقابيلية الإيقاع المتوازن بنبرةٍ داخليةٍ يتعدى صوتها آفاق شاعرية المكاتيب الذي يدونها العشاق.

اقتباس:
فلــك الهنـــاء ُتدللـــي يـا منيتــي // أنــت الجمـــالُ بسهلنــا وقرانــا
فرحيــل بعضي مايــزال يذيقنـــي // مـر الفــراق وزادنـــي أشجانــا
ودعتهــــا بتأوهٍ ومـــــــرارة // كفكفت دمعي يائســا حيرانا
وسألــت ربــي أن يعيــد لقائنــــا // ويعيـــد للقــلب الحــزين أمانـــــا

أتقن الكسواني تقنية الوزن وعلاقته في استساغة العذوبة والجمال الذي تفتّق منه تجلِّي الطلاقة والفصاحة دون حجاب ليراها المتلقي في لباقة اللفظ ( فرحيل بعضي) الذي يوحي لنا بأن حبيبته هي قطعة منه ومن أحاسيسه وخلجاته  مايزال يذيقه رحيلها مرارة  تزيد موجدة العاشق حين يبرق الدمعُ المصبوب مع الحيرة واليأس. ليسأل الرحمن عن معضلة البلوى في عشقه. فيجعل أفكاره ظاهرة في أدبه بأوجزِ لفظ.

خلاصة الظواهر الإيقاعية:هي وحدة احساس الشاعر مؤكدة في موسيقى الخطاب الشعري باللفظ أو بالعبارة أو بالمعنى الذي شكل الوحداة الترجيعية والتي اعترت الشاعر ساعة ابداعه للعمل الشعري، وهو يلجأ إليها بحسه الفني لاقامة الوزن، أو لتقوية الجرس الإيقاعي للقافية التي يشترك المتلقي في توقيعها، مع تأكيد وحدة الصورة لإيضاح الدلالة وزيادتها على ان هذا الترجيع اللفظي أو التركيبي أو المترادف يخضع لطبيعة سياق النص الشعري.
شاكر السلمان

الأيام ‏الرحل ‏بقلم ‏الاديب ‏عيسى ‏نجيب ‏حداد ‏

الايام الرحل زاخرة بما تبقت اوتار عزفنا الاولى يشدها الحنين للبدايات لن يسكنها الجمود أو الركود تعصف بها مواسم المحبة والاشواق تتراكضها الاح...